النويري
179
نهاية الأرب في فنون الأدب
فحماه مباح ، ولا هرير له ولا نباح ؛ والنار كالصّديق ، أو كالرّحيق ؛ كلاهما عنقاء مغرب ، أو نجم مغرّب . وقال بعضهم : برد بغير الألوان ، وينشّف الأبدان ؛ ويجمّد الريق في الأشداق ، والدّمع في الآماق ؛ برد حال بين الكلب وهريره ، والأسد وزئيره ، والطير وصفيره ، والماء وخريره . وقيل لبعضهم : أىّ البرد أشدّ ؟ فقال : إذا دمعت العينان ، وقطر المنخران ، وتلجلج اللسان ، واصطكَّت الأسنان . ووصف ابن وكيع الفصول الأربعة في أرجوزة فقال : عندي في وصف الفصول الأربعة مقالة تغنى اللَّبيب مقنعه . ذكر ما قيل في فصل الصيف أمّا المصيف ، فاستمع ما فيه من فطن يفهم سامعيه . فصل من الدّهر إذا قيل حضر ، أذكرنا بحرّه نار سقر . يظلّ فيه القلب مقشعرّا ، والأرض تشكو حرّه المضرّا . أوّله فيه ندى منغّص كأنه على القلوب يقنص . يلصق منه الجلد بالثّياب ويعلق التّراب بالأثواب . حتّى إذا ما طردته الشمس وفرحت بأن يزول النّفس . فتّحت النّار لنا أبوابها وشبّ فيها مالك شهابها . حرّ يحيل الأوجه الغرّانا حتّى ترى الروم به حبشانا . يعلو به الكرب ويشتدّ القلق وتنضح الأبدان فيه بالعرق .